الكاتب عبد المالك عايلة
  الطالب عايلة عبد المالك
 

 
مواضيع الطالب خلال العدد الأول

رجل ضل الطريق

..
نفد الصبر.. فقد الحلم شعاعه وتلاشى.. في كل الاتجاهات جدران أبوابها موصدة.. السقف مظلم والأرض بطحاء لا يبدو أن ضبابها قد ينقشع.. لم أعد أفرق.. كان ظاهرا وكان باطنا.. أفل ذاك التوهج الذي ملأ الحياة ذات يوم..انهار الحلم ..ارتطم.. مد بعناقيده الجارفة فأتى على الأخضر واليابس..قيل أن المؤامرة الدنيئة حيكت خلف الستار بأيدي عناكب لا تمل النسيج في الظلام السحام..الموت في كل مكان..شظايا تناثرت هنا وهناك كما أوراق الخريف تعزف بها الرياح لحن الفصل الجميل..أشلاء البشر تطايرت..أفكر في النهاية..أتناسى المصيبة..أقسم أن لا أعود ثانية أقتفي آثار الهزيمة..
في زمن لا يهدأ بال الإنسان ولا يطمئن..حملت نفسي غاضبا..عجلت بالرحيل..أخذت كبتي المبعثرة وحقبتي البالية..مع الصمت سافرت حيث يسافر كل البشر لعل سريرتي تهدأ وترتخي أعصابي.
سكت عني الغضب..امتطيت صهوة جوادي..تحديت الوهم والحزن..انتفضت..بي طاقة لا تنفد..حاجتي للمغامرة لا تتوقف..مهما طال السفر..مهما طال ليلي..لا أمل..لا يؤرقني طول الانتظار..تقدمت من السحابة القاتمة: لقد ابتسم الحظ! سررت..ابتهجت..ملأ الأمل أفق سمائي..ولجت في أعماقها..لا أعلم ما أريد..لم أفهم ما أريد..تذكرت لحظات الضعف القاسي وإذ زين لي الشيطان اللعين: أن الحاجة ضرورة، أن تأكل، أن تعيش، لا قانون يحكم الضرورة. كن كالآخرين، تأكل مما يأكلون، تشرب مما يشربون وتلبس مما يحبون..لا يهم إن أبلج الصبح أن يبقى من ليلة البارحة حديث فهو يوم جديد...
أأكون كهؤلاء!
هؤلاء لا يصلحون ما أفسد الدهر، بل، هم من أفسد الدهر وعاثوا في الأرض فسادا..ينشرون الخراب والدمار..تذكر حاجتك للحياة، جئت فرارا تحمل جنبك فوق العادة، لا مكان يأويك، كن بينهم ما شاءوا.حاجتك للمال! حين افتقد من جيبي درهما تعافني نفسي ويكرهني خلاني..أتوجع..أتألم..أتأوه..أتأفف.أخاطب نفسي متذمرا : هو البلاء! فتجيبني حبلى بالآهات: دخلك اليأس، تربع على عرشك الفشل، هي الهزيمة الكبرى ما إن أتت على الخيم المنصوبة خلف السحابة القاتمة إلا اجتثتها..جعلتك هائما على وجهك في الصحراء القاحلة تبحث عن منفذ، ظللت الطريق..تهت..حصانئك لا يفقه السبيل..ارم بأوراقك كاملة وراء ظهرك لم يعد من الماضي جواب..للحياة حقيقة، أقرباؤك، زملاؤك، أبناء الحي والجيران، رفقة السوء ومن تعود الناس طيش شبابهم عرفوا الحقيقة.صنعوا البطولة..استرقوا من حيّك الفقير جميلتهم لتزف إلى عالم سرمدي.. اركب زورقا وهاجر تموت بين الحيتان شامخا بعزة وكرامة وإن كتبت لك الحياة.
خلف السحابة يمتد وطنك الذي لا أرض له..وراءك الموت وفي بحرك الحيتان..
قبلت أعذاري..تقبلت..ضحيت بالحلم لأيام معدودة قلت في نفسي: أنا محتاج لتاج يصنعني لا للموت..
دفنت قرار الرجعة في أعقابي..عقدت العزم..ساورني شعور غريب.أومأت لحصاني..ولجنا السحابة لم أكن مخيرا..رايت أن الاعماق اللجي البعيدة تعقدت أكثر، فلك أكن لأفك طلاسمها إلا بالزمن المديد..باتت الغربة كفة في أغوار الذات، ما كنت لأشعر بذلك الوخز حتى ولو انتفض وشقني شقا.. في وسط لا يذكر الله كثيرا بدأت اجمع المال..لأول مرة زهوت..لعبت دور الضحية على الركح بسذاجة، العالم هنا بلون القرمز..ناصرتني نفسي الخبيثة والشيطان اللعين..في مرحلة الانتقال تشعب الفكر..ترددت النفس مرار بين المد والجزر تفتعل أعذارا وتلقى مناصرة..الضعف يتسحب في صمت كسرطان خبيث ليؤسس لنفسه عرش ينتهي عندما يصل إلى الملك..التيارات الباردة تهب والحارة تعارض وما هي إلا لحظات؟ انقلب الفصل..رفض سنة التداول..انصهرت وقد أدركتني الخطيئة..ارتكبت جرما..تقطعت أشلاء..بكيت بحرقة..انهمرت الدموع سيولا جارفة..تربعت بركن وبقيت أذرف الدموع بزاوية.. لا أكلم إنسانا..لا أرى غير حكايتي..بلغ الندم أشده..تمنيت وبقيت أتمنى..الخزي..العار..من يصدق؟
سكت البركان وهدأ..عاودت الكرة ثم الكرة إلى أن أدمنت..هناك لا يوجد صديق..تجرعت حسرتي..العائدون نشروا خبر خطيئتي..تداولت الألسن بشراهة النبأ..تفننت الأفواه الساخرة في رسم صورة الهارب..عاقبوني..وأصدروا الحكم، بقوا يترصدوني عن بعد وعن قرب وخلف السحابة أمست حياتي جحيما لا يطاق..الخوف..الرعب..ركبت جوادي نحو الظلام الدامس..لقد دنست قصتي مع الحياة..ليت الأعذار تتقبلني..اختلقت لها ما اختلقت فباتت تنهشني..في الظلام الحالك..ضربوني..شتموني..ركلوني..طردوني..ما كنت لأبرح المكان..ارفض..استنكر بقلبي..فكرت في الهروب من الدوامة المظلمة ولم أغادر..لا رجلاي استطاعتا الوقوف ولا قلبي طاوعني، كأني بالأغلال مقيد..جمعت من المال ما لا أعده..الجميلات قابعات في أحضاني أتودد إليهن متى شئت..يقهقهن..يضحكن..يصرخن..يبكين..يلعنن الرجال وزمنهم الأغبر..يختلين بأنفسهن..أختلي بنفسي..يسكن جميعنا إلى السبات العميق.
مرت السنوات مسرعات..مضى من العمر عقدا..استفقت ويا ليتني لم أفق، ما عادت صفحات الكتاب لتحتمل..ما عاد بالنفس من سذاجة لتستمر..اختزلت العمر في اختلاس الأنوثة وتكنيز السحت.. بلغت من العمر عتيا وسجلك مثقل بما حمل، فهل لك من الأمر شيئا.
لم يكن السؤال لتردد بعدها، فالإجابة جاءت بالخبر اليقين..أعلنت تحديا..رفعت الراية..ذهبت بعيدا عن دوامة الظلام التي هي أقرب للكفر منه إلى الإيمان..عدت إلى حيث غادرت..تساءلت: هل تناسوا حكايتي- أو حكاياتي.
ختمت سجل أخطائي..انتهت الأرقام ولم تنته أخطائي..في الطريق رميت بالمال..تذكرت.. كم جسد سرقت براءته..تلاعبت به..كم ظلمت من نفس مشت تبحث عن الهداية..أكباد الحيارى تئن ساخطات من دجي الليل الحالك، الحانك..جلست القرفصاء ببيتي وحالي لا يوصف للعدو..
كأن بقوة اجتثتني كما تجتث الأشجار من منبتها..عدت إلى الله..الأرض لا تسع فرحتي..جميل أن نفرح..نطمئن..نسكن إلى الحقيقة الواحدة..مع الزمن تناسيت..أزيح الهم من على أكتافي..جميل أن نفرح..نطمئن..نسكن إلى الحقيقة الواحدة..مع الزمن تناسيت..أزيح الهم من على أكتافي..اندفعت الآمال والأمنيات من الأغوار اللجية العميقة..تسربلت بحق البعث من جديد..اقتطعت تذكرة الولوج في الحياة..تفجرت..انتشت أحلام الصبا ولاحت في الأفق طموحات الشباب..لكن لا يهنأ المرء بسعادته..الحاجة هزت كياني..شلت عقلي..من حولي يشتمونني ذهابا وإيابا..سهام ترديني أرضا..تكسر شوكتي..تقتل عزيمتي..دائما الضعف يعتصرني..أهيم على وجهي أبحث عن منفذ يمنحني البقاء..اختلط الأمر..ثارت شهواتي..عفت البقاء..قررت الرحيل..امتطيت صهوة جوادي..انتابني خوف..تشجعت..رميت بأوهامي جانبا..تحركت بصعوبة.تلعثم لساني..أدركت السحابة القاتمة..بدا دربي يؤرخ لقصص وروايات..تقدمت ومع كل خطوة أبتلع سخريتي من نفسي..ورائي قطعت خارطة الطريق..ضحكت ملأ فاهي..حررت الجواد..حملت أوراقي وكتبي المبعثرة وعدت من حيث أتيت. 
 
ما المصير
يوم كنا صغارا كان للحياة لون وعذوبة وسعادة إكتنزتها لنا أيام الطفولة، ننهض في الصباح الباكر نبحث عن مغامرات صبيانية، نهوم بين أزقة حينا الضيقة وبناياته الطويلة العالية الممتدة على طول الشارع..
يطول يومنا ولا نمل اللهو واللعب، ما كان يوم يمر إلا ولنا فيه حكاية مع الطفولة الضائعة والأحلام الوردية، مغامراتنا ساذجة وممتعة وعقولنا الصغيرة لا تحسب للعقبات والعاقبات..
قصصنا تبدأ مع بلوج الفجر إلى غسق الليل، وعادة نبيت بعيدا عن بيوتنا بين كنافات الظلام الدامس المخيف ومواء القطط الجائعة والكلاب المسعورة والضالة وسكارى الحي الذين قد يحجزون لأحدنا سريرا في غرفة الإنعاش أو يرمون به بعيدا عن الأنظار، ولا تستطيع فرق الحماية الوصول إليه واجتثاه من فوهة المغارات العميقة التي خلفتها قنابل الاستعمار في الجبال والمداشر. ورغم المخاطر نمارس هناك هواياتنا المفضلة؛ نصطاد العصافير ونتسلق الأشجار ونسبح في البرك والمستنقعات ونصاحب رعاة البقر والغنم ونخالطهم... مغامراتنا لا تنتهي وأفراحنا لا تنجلي، ننتعل الحفاء ونلبس العراء، نأكل القليل وقد نبيت على الطوى وحيثما دخلت فثمة بيتك- لا فرق عندنا- نذهب إلى المدرسة رافعين راية الفقر المدقع، شعورنا شعثاء وغبراء، وجوهنا عبوسة ومكفهرة تخفي تقاسيمها تراتيل الزمن الشحوب، لباسنا من القش البالي الرث الذي بدا صامدا يؤرخ للأجيال التي تداولته. أحببنا المدرسة والمعلم وتفوقنا وتسربت السعادة إلى قلوبنا، لهفتنا الكبيرة للقراءة والكتابة سبقنا بها السن الذي نعيشه. في أطوارنا الأولى إلتحقنا بالأقسام التي قبلنا عليها وكلنا حيوية ونشاط ومثابرة، نخجل أن يلمحنا المعلم نتسكع في الشوارع، نهابه إن هددنا بالعقاب ونخافه ونخاف العصا المعلقة بالجدار، قدسناه حتى صار الراهب فينا والموجه لحياتنا الطفولية... حين نعود إلى المنزل تغمرنا فرحة كبيرة بعد نهاية الدراسة وبداية العطلة وتبدأ روايات أخرى مع اللهو والمرح... ونكبر والحياة، ولجنا عالم الهواجس الغامضة والأحلام الزمردية، فطموحات ورغبة في الوجود وحب للظهور، وبين إدراكنا للعالم الجديد بدأت أفكارنا تؤسس لحياة جديدة.. إكتشفنا عوالم غريبة، زوايا مظلمة تباع فيها الأجساد بثمن بخس وحكايات الإغتصاب وجنون الخمر وقصص تروي عن السلطان مفتول العضلات القابع بعيدا عن الأنظار يخطط لغزواته الليلية ونزواته الشريرة. من باب الرذيلة امتطينا عنفوان الشباب ونسجنا معه الأساطير... حياتنا
لم تعرف الحلال والحرام، المسموح والممنوع، لم نجد لها حدودا فخضنا مع الخائضين... استفقنا لأن الفطرة نسجت خيوط النور، فقصرت أيامنا الطويلة وضاق أفقنا المتسع وذبلت أحلامنا وقهرت طموحاتنا، تمركزنا حول ذاتنا وبدأنا رحلة مع الصراع والبحث عن الذات وتلك الأكوام المتراكمة، فبين طموح زمردي بعث أيام الطفولة والواقع المر الذي يتربص بهذا الذي بعث حلمنا أثقالا مع أثقالنا، ولأن عجلة الحياة تؤثث للمستقبل القادم أثقلنا الحمل ولم نقو على الحراك فغدا منا المحبط والكسير والمهزوم. أغلبنا غادر مقاعد الدراسة، إحترفنا التسكع والتشرد... وثانية امتطينا بؤر الفساد وتمتعنا بمكبوتاتنا.. أجسادنا المهترئة أكلها المال ويومنا ابتلعه الصمت وليلنا بات طويلا، فلم تعرف أعيننا السهاد حتى مطلع الفجر. هكذا تتلمذنا بين الدفات اللعينة، بطالة دائمة، فقر مدقع، مستقبل غامض وعالم مجنون يسوق لحياة مبتذلة وزمن يمتطي السرعة وينتعل القوة، ورغم ذلك منا من قرأ بشغف وفكر بانفعال وتحدث بغضب عن القيم الماسورة والمباديء المنصهرة في قوالب الآخرين. فهؤلاء عاندوا وقاوموا وشدهم طموحهم الموءود وحقهم المغتصب، وبين المد والجزر زفت أحلامنا في غيهب ليل سحام وانتزعت آمالنا وكبلت إلى إشعار آخر حتى أصبحنا مجرد بيادق تلعب دور الاحتياط. اتسعت رقعة الألم وتسلل إلينا سكونا آخر أكثر فتكا- سكون اللحظات العارية والوقت الضائع والأمل المفقود والإحباط الدائم والفشل المتكرر- كلمات نتداولها مع كل خطوة وتفكير، فتآكلت المعالم السامية كما تأكل النار الحطب ويسع دخانها أفق السماء... مات فينا الضمير وانهار، فصفقت لنا الأيادي التي لا تمل التصفيق ولعنتنا الحناجر المتسامقة التي ترفض لنا الوجود، كذلك هي فجوة المتناقضات ومنطق الفوارق.
فكرنا طويلا... إعتزلنا الناس وفي خلوتنا نمنا مع الضياع وعالم الوحدة ونبراس الفراغ القاتل والهواجس السوداء المميتة القابعة في الأعماق، ربما أحلام الممكن حينا والمستحيل أحيانا، فغرقنا في الجنون والموت البطيء واختزلنا أعمارنا فمرت كلمح البصر...
إنفجر البركان.. أمطرت القنابل شظايا قاتلة.. مات الشباب في تلك الرقعة المظلمة وبقي الأطفال والشيوخ والنساء، وجاء العالم بأفكار جديدة فتسربل الجميع بها ونحن كما نحن لم نبرح أماكننا ولم نغادر الدوامة، الوهم ملأ تصوراتنا الهزيلة فأمست مرتعنا وبحثنا في الظلام عن منفذ آمن، نادينا بالحرية وحب الوطن، صفقنا لمهب رياح جديدة وفرحنا للفرج، وعندما أدركنا السراب تأففنا وعدنا إلى البداية، ولأننا جبناء لم نتقدم خطوة. لأننا أغبياء لم نفهم الحياة. لأننا أشقياء أحببنا الظل وأردنا أن نكون ظلا لمن لا ظل لهم ولأننا سذج دائما نتساءل: ما المصير... 

 

 


مواضيع الطالب في العدد الثاني 
إلى الأمل

... أشعلت سيجارة.. نفخت فيها بقوة.. لاعبتها متأففا.. مع كل نفس عميق أتلذذ بالصمت.. الوحدة.. الفراغ.. الغربة.. حاولت أن ألملم شتاتي وأجمع أوراقي المبعثرة.. باءت الرحلة بالفشل.. على متن هذه الحافية التي شقت سنون حياتها.. بدأت رحلة الحنين.. حينما سافرت نحو الضياع.. تسابقت أهوال الزمن.. عدت إلى الوراء- دائما أعود إلى الوراء- اقتفي آثار هزيمتي وطموحاتي التي لم تكن سوى نقطة ذابت في كل قطرة من دمي...
أنا كيان تحطم على أسوار مدينة سحقها النفاق والريب.. لقد ضاع كل شيء جميل حتى أصبح شيئا منسيا.. كل شيء من حولي صار يؤرخ للذكريات ويروي الحكايات المملة...
تقدمت من النافذة.. راقبت الشارع الضيق المملوء بالسخرية والتخاريف العرجاء.. كم امقته هذا اللعين..؟ يذكرني بما أحاول نسيانه.. حي على كفه أهدرت القيم واندثرت المباديء السامية.. مورست بين خفاياه الطقوس السادية واغتصبت فيه البراءة.. كل ركن من زواياه يروي جرائم ارتكبت في حق الحفاة والمشردين ممن ذلتهم الحياة.. تلك قصة أخرى مع الزمن الذي ما كنت إلا صفرا على يساره.. لكن هكذا شاء القدر.. إنها مشيئة الله الخلاق وصدق القائل: الحياة جسر من الأمل فوق نهر من اليأس.
ما يزيد الإنسان غيظا أن يرى من يمثلون سلم الفضيلة اليوم ماهم إلا قابيل.. أمس.. رأيت أحدهم، تفور دمي، تمنيت قتله.. يالي من نفاقهم ويالي من حقدي عليهم...
أحرقت السيجارة أناملي.. إستفقت.. تقطع حبل الشرود.. تمنيت أن لا أرى أحدهم ثانية فأفقد أعصابي.. في يوم ظننت أن الأيام بمحو الجراح كفيلة، لكن، الحي بجدرانه وشوارعه الضيقة وزواياه المظلمة وأركانه النتنة يعيد الحياة الميتة إلى الوجود...
أشعلت سيجارة ثانية.. توترت.. انقبضت أوصالي.. أخذت نفسا عميقا عمق آلامي وجراحي.. طردت الذكريات الجاثمة التي لا تغادر.. ما أبشعها..!
مع النفخة الثانية لمحت العصا الأبنوسية المعلقة بالجدار وتلك حكاية أخرى مع القهر والسلطة.. عاملتني كالكبير ولم تغفر لي هفوات الصبا.. عندما أراها أتذكر عدد الضربات التي أكلت من جسدي النحيف مع كل عقوبة وليت عقوبتها محدودة، صاحبتني معظم الأوقات.. عجبت لها لا تمل..! حتى الفرح تلاشى من أذاها..تفوقت لا احد صفق لي.. أتربائي جاءوهم بالهدايا واللعب.. كل من حولي رفضوا أن يمدوني حتى بثمن شراء الأدوات.. أصدر البشر حكمهم ومنحت لي صفة المنبوذ بجدارة واستحقاق.. غادرت مقاعد الدراسة رغم حبي لها...
إحترفت التسكع في الشوارع.. حين ودعت البيت الكبير إلى الأبد والعصا الأبنوسية إلى غير رجعة.. أصبح يومي نهارا طويلا وبات ليلي حكايات مع الممنوع.. عرفت أن الحقيقة بغير وجهها كعجوز وضعت المساحيق على تقاسيم وجهها المجعد.. توالت الأيام مسرعات بين ما يكدر الصفو ويقتل الفراغ.. الحياة تغرب بوجهها.. دائما أتساءل:
- ما الذي يجعلني أتذكر..؟
الماضي يفرض علي بقوة.. الذكريات الغائبة تمتص من اللحظات السعيدة.. الإحباط يملا أفقي.. الفشل يكبلني.. تقاسيم الضياع سمة الوجه الأغبر...
أخرجت من العلبة سيجارة ثالثة ثم رميت بها.. اللعنة على هذا السم القاتل.. أجد صعوبة كبيرة في ادخار ثمنه ودائما أقترضه من الأكشاك والخجل يقطعني.. عادة يتساءلون بتهكم:
- كيف لهذا الكبير لا يملك ثمن سيجارة؟!!
- العار والخزي، لا املك ما أواجه به الحاجة.. ماذا لو ألم بي طاريء.. لو حدث لي مكروه.. لو.. ولو...
تخيلت الحي سوادا في سواد.. صرخت.. صرخت وصرخت.. لا أذن سمعت ندائي المبحوح ولا أظن صوتي اخترق جدران الغرفة المظلمة.. جاري يكون قد سمع صيحاتي المهلكة لأنه ألف صراخي، لكن، لن يأتي.. غادرت النافذة.. تمددت على مرتبتي الرثة التي مازالت تصارع.. توكأت على جنبي.. استدرت يمينا وشمالا.. تأوهت.. انقبضت.. اختنقت.. خفق قلبي بقوة.. تأففت.. تأوهت ثم استغفرت.. نزعت على رأسي وسادتي وقلت: سأتعلم كيف أهزم و أتحدى و أبحث عن الحياة.. بين الأصوات الكثيرة نغم وفي البحر قارب، وما حياتي إلا لفتة قصيرة تتوالى في عمر الزمن.. فلتمضي إلى الحياة كما يمضي القارب وينطلق النغم. 

 


حيــاة الوهــم
ترصدت خطواتها.. تتبعت مشيتها المترنحة.. رأيتها تتمايل كالأغصان إذا الريح هبت.. في كل ركن وزاوية من الشارع الكبير"سندباد" ينتظر موكب"السندريلا".. مررت بينهم ولمحت حرسا يعدون الخطوات...
كل صباح اقتفي آثارها.. أرقبها من بعيد.. حين تختفي أعود أدراجي.. أحدث نفسي.. في النهاية أستسلم- الإستسلام راية الجبناء مثلي- أتحسر.. أتأوه.. مع كل لحن شجي تفيض عيناي دموعا ومع كل كلمات عذبة تندفع قشعريرة تهز جسدي المثقل.. أستنكر.. أتأسف.. أستلذ بتعاستي...
في خفية من أعين الناس أختلس من ذاكرتي صورا جميلة لأناس رأيتهم، بينهم إمرأة فاتنة تسمى بكل الأسماء.. رشيقة القوام، مملوءة الجسم، مرهفة الحس، هادئة الطباع.. أرمقها طويلا.. أتأملها بالساعات.. أسبح في أحداقها.. أسافر بها بعيدا... إستفقت من شرودي على صوت يصم الآذان، ليت هؤلاء الأبالسة يصرخون بعيدا.. حتى في خلوتي يسرقون صوري الجميلة...
قررت أن أفاتحها.. إستجمعت قوتي.. تأهبت.. إنتظرتها.. تقربت منها أكثر.. سارت هزة بجسدي.. إرتعشت أطرافي.. تصببت عرقا.. خنقت تنهيداتي في صمت.. حاولت أن أنسجم مع خطواتي التي بدأت تتراجع...
إستنكرت بشدة ترددي.. توجعت.. تألمت.. ندبت حظي المشؤوم.. تتلمذت أن أتشاءم.. حين يهزمني خجلي أتوسد وسادة أفكاري وانتحب...
أقسمت أن لا أعود.. عادتي أن اقسم وأعود.. الفراغ يدفعني.. بقيت أترقب وأنتظر ومالت دون الرقيب.. فلا تقدمت خطوة ولا تأخرت...
جاء يوم وصعد الحلم إلى أفق الحقيقة.. لقد إبتسمت.. سررت.. إنتفضت.. إبتهجت وعجزت الكلمات عن التعبير وفي لحظات نطق الصمت بعد أفول الكلمات.. سعدت كثيرا وأنا أعيش المستحيل...
ملأت أفقي سحرا.. عمرت بخيالي.. بصور عديدة رافقتني خلوتي.. مجرد بسمة صنعت السرور في حياة رجل يعشق مراسلة الوهم...
غابت لأيام.. خلت زوايا الشارع وأركانه.. ربما أدركوا أن السندريلا إلتقت بالسندباد، فلا أمل لهم في الإنتظار.. أطالت الغياب.. لم أعد أراها صباحا ولا مساء.. لهفتي لها كبيرة وشوقي لها أرحب.. أصبحت لا أفرق بين الأيام.. تملكني السهاد فهي إن غابت يأتي السهاد...


مرت الدقائق والساعات وتوالت الأيام.. مع كل يوم يتسع الأفق ويكبر الحلم، وأي حلم؟ بدأت أعد لحريتي.. الأغلال كبلتني.. عشعش الوهم برأسي.. تعبت من الإنتظار.. خشيت أن يرتطم حلمي حتى استفيق...
آه.. هاهي تظهر الآن وقد إزدادت رونقا وسحرا وجاذبية.. إبتسمت.. إحمرت وجنتاها.. هممت بالحديث.. إذا بفريق يملأ المكان.. عاد الرواد إلى أماكنهم والحراس إلى قلاعهم.. تعلثمت وغادرت مكسور الخاطر...
- تبا لي من جبان..!
لهفتي تدفعني أن أفكر.. فهل تخلو الأماكن من روادها؟ وما يهم إن خلت الأماكن أو عمرت فالحراس لا يغادرون...
تخطيت كل الجدران.. وقفت أمامها.. تحديت الحراس.. لم يكلمني أحد.. تأملتها: يا لها من ساحرة..! رمقتني ببسمة محتشمة.. سرحت مع تقاسيم الوجه الأبيض .. هممت بالحديث ففرت الكلمات.. وقفت تنتظر.. بحثت عن ما أقول.. اختنق الصوت.. إرتجفت.. طأطأت رأسها وانصرفت...
وضعت رأسي بين ركبتاي.. عجبت لأمري.. قبعت خلف أسوار هزيمتي أتلذذ بالصمت...
ثنيت عزيمتي.. أفل وهجي.. ضعت في أغوار الحلم.. هربت إلى وحدتي...
جاء الشؤم.. أختطفت السندريلا.. مات في كل بيت سندباد.. أخذت لؤلؤتي الثمينة.. تلاشى وهج الحياة.. تساءل الجميع: أين البطل؟ أين أنا لأصنع النصر وأنتقم لكل سندباد مات...
تملكني الضياع.. إحتقرت نفسي.. كرهت البشر لأنهم سخروا من البطل...
سعدت لخلوتي.. غمرتني.. ناشدتني.. تقاذفتني كموج تأجج سبحت ضعفي.. تهكمت لحظات تعاستي.. إنتشيت وأنا أسرد أوهامي.. تحدثت عن البطولة.. السخرية.. نادرة لحظات الصفاء التي تجعل المعاني تبحث عن منافذ لها بين الركام.. نحوت السراب تملأ الأفق.. خفايا الظلام تنتعش لضوء لا يرسل أشعته.. كان الحياة
فررت إلى وحدتي بعدما أرهقني الوهم.. ترصدت خطوات سندريلا جديدة.. بدأت حكاية أخرى.

 
  Aujourd'hui sont déjà 8395 visiteursIci!  
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=